محمد المختار ولد أباه
216
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
تأويلا بعيدا ، أو خارجا عن عادة القوم الجارية على فطرتهم ، أو متعلقا باختلاف لغات القبائل ، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف « 1 » . لقد كان أبو سعيد فقيها على مذهب أبي حنيفة المشهور بميله إلى القياس ، ومارس القضاء مدة خمسين سنة ، فأتيحت له الفرص في التفكير الدائب في تنزيل النظريات على الواقع وتطبيق النصوص وتأويلها واستنباط الأحكام منها والقياس عليها فيما لا نص فيه ، متأسيا بمن سبقه من أئمة الفقه الذين عناهم بقوله مخاطبا متى بن يونس : « لو عرفت العلماء والفقهاء ومسائلهم ووقفت على غورهم في فكرهم وغوصهم في استنباطهم وحسن تأويلهم لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة والكنايات المفيدة والجهات الفريدة والبعيدة لحقرت نفسك » « 2 » . وفي هذه المناظرة أعطى أمثلة من مسائل الأحكام التي يتوصل إليها الفقيه بالمهارة في اللغة ، فأورد منها قوله : - ما هو الحكم حيثما يقال : لفلان من الحائط إلى الحائط ؟ أو لفلان عليّ غير قيراط ؟ أو لفلان عليّ عشرة دراهم إلا تسعة ، إلا ثمانية ، إلا سبعة ، إلا ستة ، إلا خمسة ، إلا أربعة ، إلا ثلاثة ، إلا اثنين ، إلا واحدا ؟ - وما هو الفرق بين قول القائل : بكم الثوبان المصبوغان ؟ وبكم ثوبان مصبوغان ؟ وبكم ثوبان مصبوغين « 3 » ؟ هذا وإن مثل هذه الأسئلة يعطي نموذجا عن صلة التعبير اللغوي بالحكم الفقهي وقدرة العلماء ، من أمثال السيرافي ، على الاستفادة من هذه الصلة .
--> ( 1 ) المعجم الأدباء ، في المناظرة التي بين السيرافي ومتى بن يونس ، ص 894 - 903 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 907 . ( 3 ) معجم الأدباء ، في المناظرة التي بين السيرافي ومتى بن يونس : 904 - 906 .